إيفانوف في إسرائيل

إيفانوف في إسرائيل

إيفانوف في إسرائيل - كمال صبح

رواية “إيفانوف في إسرائيل”: تقاطع الأقدار بين ضياع الأرض وانبعاث الذاكرة

في روايته “إيفانوف في إسرائيل”، يقدم الكاتب كمال صبح نصاً روائياً مغايراً، يتخذ من “الوثيقة” والذاكرة الحية مسرحاً لأحداثه. الرواية ليست مجرد استعادة لنكبة عام 1948، بل هي محاكمة سردية عميقة تبحث في كيفية محو تاريخ المهزوم وكتابته “بالحبر الأبيض”، كما يشير الاقتباس الاستهلالي للعمل.

تتمحور الرواية حول شخصية “إيفانوف”، الذي يجد نفسه شاهداً على تحولات كبرى في مدينة يافا والميناء والحي، حيث تتقاطع الحكايات الشخصية مع الكارثة الوطنية. يسلط العمل الضوء على خطط المقاومة (مثل خطة قاسم) ومحاولات الحفاظ على الهوية في وجه آلة المحو والتهجير. الرواية تمزج بين المشاهد الإنسانية الدافئة (مثل لقاء الأبناء في ميدان الساعة) وبين قسوة اللحظة التاريخية التي شتتت العائلات بين يافا وقبرص وما وراء البحار.

يبرع الكاتب في تصوير يافا ليس كمدينة جغرافية فحسب، بل ككائن حي يُسلب منه وجوده. الوجود هنا “مكتوب بالحبر الأبيض”، في إشارة إلى محاولات المنتصر طمس معالم المكان وتاريخه. تبرز الرسائل والمذكرات كأدوات للمقاومة، حيث تدوّن الأسماء “بين الجلد والعظم” لضمان عدم النسيان. إنها رواية عن الأمانة التاريخية، وعن البحث عن الحقيقة وسط ركام الأكاذيب التي صاغها الاحتلال.

تعد “إيفانوف في إسرائيل” إضافة نوعية لأدب النكبة، حيث تبتعد عن المباشرة لتقدم تشريحاً نفسياً واجتماعياً لمرحلة مفصلية. بلغة رصينة وقدرة عالية على بناء المشهد السينمائي، ينقلنا كمال صبح إلى قلب المعاناة، ليؤكد أن التاريخ مهما كُتب بحبر الزيف، فإن دماء الضحايا وذاكرة الناجين هي الحبر الحقيقي الذي لا يُمحى.